محمد متولي الشعراوي

2624

تفسير الشعراوى

أي أنزلناه منجما لنثبت به فؤادك . ولو نزل القرآن جملة واحدة لقلل من مرات اتصال السماء بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يريد مداومة اتصال السماء به . بدليل أن الوحي عندما فتر جلس الرسول يتطلع إلى السماء ويتشوق . لماذا ؟ ففي بداية النزول أرهقه الوحي ، لذلك قال الرسول : « فضمني إليه حتى بلغ منى الجهد » « 1 » . ورأته خديجة - رضى اللّه عنها - « وإن جبينه ليتفصد عرقا » فاتصال جبريل بملكيته ونورانيته برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بشريته لا بد أن يحدث تغييرا كيميائيا في نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . عن عائشة أم المؤمنين رضى اللّه عنها أن الحارث بن هشام رضى اللّه عنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علىّ فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول . قالت عائشة رضى اللّه عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا » « 2 » . إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يواجه المتاعب وأراد اللّه بفترة الوحي أن يحس محمد حلاوة الوحي الذي نزل إليه ، وأن يشتاق إليه ، فالشوق يعين الرسول على تحمل متاعب الوحي عندما يجئ ، ولذلك نجد أن عملية تفصد العرق لم تستمر كثيرا ؛ لأن الحق قال : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) ( سورة الضحى ) أي أن الحق أوضح لرسوله : إنك ستجد شوقا وحلاوة ولذة في أن تستقبل هذه الأشياء .

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب : بدء الوحي . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب : بدء الوحي .